فخر الدين الرازي
43
المطالب العالية من العلم الإلهي
هذا فنقول : إن ذات الحق سبحانه مخالفة بالماهية والحقيقة لجميع أقسام الممكنات والمحدثات فإذا كان العلم بأظهر المعلومات قد بلغ « 1 » في الخفاء والغموض إلى الحد الذي ذكرناه ، فالعلم الذي بصفات الموجود الذي لا يشابه شيئا ( من الممكنات ، ولا يناسب شيئا ) « 2 » مع أنه في غاية البعد عن مناسبة المعقولات ، ومشابهة ما يصل إليه الفكر والذكر والوهم والخيال ، لو كان صعبا عسرا ، كان ذلك أولى . فيثبت أن هذا العلم الشريف أعلى وأجل من أن يحيط به العقل إحاطة تامة فلا سبيل للعقول البشرية فيه إلا الأخذ بالأولى والأخلق والأكمل والأفضل . واعلم أن لتقرير هذه الحجة شرحا آخر وهو : أن الاستقراء يدل على أن أظهر المعلومات عند الخلق أشياء معدودة مثل علم كل أحد بنفسه ، ومثل علمه بزمانه ومكانه ومثل علمه بجسميته . ثم إن العقل إذا خاض في معرفة النفس والجسم ومعرفة المكان والزمان تحير ولم يقدر على الخلاص ، فإذا كان حاله في معرفة أظهر الأشياء كذلك ، فكيف يكون حاله في معرفة أخفى الأشياء . ولنبين صحة ما ذكرناه فنقول : أولها : ذاته المخصوصة وقد كشفنا حقيقة الحال فيه وثانيها : علمه بالمكان والزمان فإن كل أحد يحكم ببديهة عقله أنه كان في ذلك المكان وانتقل منه إلى مكان آخر ، وبقي في ذلك المكان الأول ، والعلم بالمكان جزء من أجزاء ذلك العلم . وأيضا كل أحد يحكم ببديهة عقله أن هذا الوقت الخاص وقت كذا ، ثم بعده يقول : إنه مضى ذلك الوقت ، وحضر وقت آخر والعلم بحقيقة الوقت والمدة جزء من العلم بأنه مضى الوقت الأول ، وحضر الوقت الثاني . ثم إن العقلاء دارت رؤوسهم وحارت عقولهم في معرفة حقيقة المكان والزمان . أما المكان فأصحاب أفلاطون وكل من كان قبله من الحكماء المعتبرين : اتفقوا على أنه عبارة عن البعد الممتد . وأما أصحاب أرسطاطاليس « 3 » : فقد اتفقوا على أنه عبارة عن السطح المحيط ، وأن القول
--> ( 1 ) قد يكون ( س ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) أرسطو ( س ) .